المقريزي

731

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فيهم الصّابون ، ويعطى كلّ منهم في السنة عن ثمن كسوة قدر أربعين درهما . فنزّل الأمير سودون عندهم جماعة كثيرة عجز ريع الوقف عن القيام لهم بجميع ما ذكر ، فقطعت الحلوى والصّابون والكسوة . ثم إنّ ناحية دهمرو شرقت في سنة تسع وتسعين لقصور ماء النيل ، فوقع العزم على غلق مطبخ الخانقاه وإبطال الطعام ، فلم تحتمل الصّوفيّة ذلك ، وتكرّرت شكواهم للملك الظّاهر برقوق ، فولّى الأمير يلبغا السّالمي النظر ، وأمره أن يعمل بشرط الواقف . فلمّا نزل إلى الخانقاه وتحدّث فيها ، اجتمع بشيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان البلقيني ، وأوقفه على كتاب الوقف . فأفتاه بالعمل بشرط الواقف ، وهو أنّ الخانقاه تكون وقفا على الطائفة الصّوفية الواردين من البلاد الشّاسعة والقاطنين بالقاهرة ومصر ، فإن لم يوجدوا كانت على الفقراء من الفقهاء الشّافعية والمالكيّة الأشعريّة الاعتقاد . ثم إنّه جمع القضاة وشيخ الإسلام وسائر صوفيّة الخانقاه بها ، وقرأ عليهم كتاب الوقف وسأل القضاة عن حكم اللّه فيه . فانتدب للكلام رجلان من الصّوفيّة هما زين الدّين أبو بكر القمني وشهاب الدّين أحمد العبّادي الحنفي ، وارتفعت الأصوات ، وكثر اللغط . فأشار القضاة على السّالمي أن يعمل بشرط الواقف ، وانصرفوا . فقطع منهم نحو الستين رجلا منهم المذكوران . فامتعض العبّادي ، وغضب من ذلك ، وشنّع بأنّ السّالمي قد كفر ، وبسط لسانه بالقول فيه ، وبدت منه سماجات ، فقبض عليه السّالمي وهو ماش بالقاهرة ، فاجتمع عدّة من الأعيان وفرّقوا بينهما ، فبلغ ذلك السّلطان ، فأحضر القضاة والفقهاء ، وطلب العبّادي في يوم الخميس ثامن شهر رجب ، وادّعى عليه السّالمي . فاقتضى الحال تعزيره ، فعزّر وكشف رأسه ، وأخرج من القلعة ماشيا بين يدي القضاة ووالي القاهرة إلى باب زويلة ، فسجن بحبس الدّيلم ، ثم نقل منه إلى حبس الرّحبة . فلمّا كان يوم السبت حادي عشره ، استدعي إلى دار قاضي القضاة جمال الدّين محمود القيصري الحنفي ، وضرب بحضرة الأمير علاء الدّين عليّ بن الطبلاوي ، والي القاهرة ، نحو الأربعين ضربة بالعصا تحت رجليه . ثم أعيد إلى الحبس ، وأفرج عنه في ثامن عشره بشفاعة شيخ الإسلام فيه . ولمّا جدّد الأمير يلبغا السّالمي الجامع الأقمر ، وعمل له منبرا ، وأقيمت به الجمعة في شهر ربيع